عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

782

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

البشر ، وإنَّما كان الَّذِي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا يوم القيامة " ( 1 ) . فالكلام إِنَّمَا سيق لبيان آيات الأنبياء العظام ، الَّذِي آمن لهم بسببها الخلق الكثير ، ومعلوم أن أعظم آيات النبي صلى الله عليه وسلم التي آمن عليها أكثر أمته هي الوحي ، وهو الَّذِي كان يدعو له الخلق كلهم ، ومن أسلم في حياته خوفًا ، فأكثرهم دخل الإيمان في قلبه بعد ذلك بسبب سماع الوحي ، كمسلمة الفتح وغيرهم . فالنفي توجه إِلَى أنَّه لم تكن آياته التي أوجبت إسلام الخلق الكثير من جنس ما كان لمن قبله مثل ناقة صالح ، وعصا موسى ويده ، وإبراء المسيح الأكمة والأبرص وإحياء الموتى ونحو ذلك ، فإن هذه أعظم آيات الأنبياء قبله ، وبها آمن البشر لهم ، وأما آيته هو - صلى الله عليه وسلم - التي آمن البشر عليها في حياته وبعد وفاته فهي الوحي الَّذِي أوحي إِلَيْهِ ، وهي التي توجب إيمان البشر إِلَى يوم القيامة ، كما قال تعالى : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } ( 2 ) . ولهذا قيل : إن آيات الأنبياء انقطعت بموتهم وآيته - صلى الله عليه وسلم - باقية إِلَى يوم القيامة ، ومما يبين أن الحصر لم يتتف عن " إِنَّمَا " في شيء من هذه الأنواع التي توهموها : أن الحصر قد جاء فيها وفي مثلها " بإلا " كما جاء " بإنما " فإنَّه جاء " لا ربا إلا في النسيئة " ، كما جاء " إِنَّمَا الربا في النسيئة " ، وجاء في القرآن : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } ( 3 ) ، كما جاء فيه : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } ( 4 ) ، وكذلك قوله : { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) الأنعام : 19 . ( 3 ) آل عمران : 144 . ( 4 ) النازعات : 45 .